العلامة المجلسي

171

بحار الأنوار

تركه ، ولا أمره بشئ إلا وقد علم أنه يستطيع فعله ، لأنه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد مالا يطيقون . قال : فمن خلقه الله كافرا يستطيع الايمان وله عليه بتركه الايمان حجة ؟ قال ( عليه السلام ) : إن الله خلق خلقه جميعا مسلمين ، ( 1 ) أمرهم ونهاهم ، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد ، ولم يخلق الله العبد حين خلقه كافرا ، إنه إنما كفر من بعدان بلغ وقتا لزمته الحجة من الله تعالى ، فعرض عليه الحق فجحده ، فبإنكار الحق صار كافرا . قال : فيجوز أن يقدر على العبد الشر ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذبه عليه ؟ قال : إنه لا يليق بعدل الله ورأفته أن يقدر على العبد الشر ويريده منه ، ثم يأمره بما يعلم أنه لا يستطيع أخذه والانتزاع ( 2 ) عما لا يقدر على تركه ، ثم يعذبه على تركه أمره الذي علم أنه لا يستطيع أخذه . قال : فبماذا استحق الذين أغناهم وأوسع عليهم من رزقه الغنى والسعة ؟ وبماذا استحق الفقراء التقتير والضيق ؟ قال : اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم ، والفقراء إنما منعهم لينظر كيف صبرهم ، ( 3 ) ووجه آخر أنه عجل لقوم في حياتهم ، ولقوم آخر ليوم حاجتهم إليه ، ووجه آخر أنه علم احتمال كل قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم ، ولو كان الخلق كلهم أغنياء لخربت الدنيا وفسد التدبير وصار أهلها إلى الفناء ، ولكن جعل بعضهم لبعض عونا ، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الاعمال وأنواع الصناعات ، وذلك أدوم في البقاء وأصح في التدبير ، ثم اختبر الأغنياء باستعطاف الفقراء ( 4 ) كل ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يعاب تدبيره . قال : فبما استحق الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب عمله

--> ( 1 ) أي كانوا في أصل خلقتهم وطبيعتهم الأولى منقادين لما يأمر وينهى ، حيث لم تكن نفوسهم متصفة لما يستدعى الخلاف والطغيان ، بل كانوا على فطرة الله التي فطر الناس عليها . ( 2 ) في نسخة ، والنزع . وفى أخرى : الانزاع . ( 3 ) في المصدر : والفقراء بما منعهم لينظر كيف صبرهم . ( 4 ) في المصدر : ثم اختبر الأغنياء بالاستعطاف على الفقراء .